سليمان الدخيل
94
كتاب الفوز بالمراد في تاريخ بغداد
الرشيد ، وكان أبوه ينهاه عن منادمته ، ويأمره بترك الأنس به ، لأنه كان لا يأمن أن ترجع العاقبة عليه منه « 1 » . بلغ الشغف بالغناء في بغداد حدا جعل العمل به لا يقتصر على عامة الناس بل تجاوزه إلى أمراء البيت العباسي ، وكان أولهم وأتقنهم صنعة في الغناء إبراهيم ابن المهدى ، فإنه كان لا يستتر منه ، وفي أول أمره كان يغنى من وراء ستار إلا إذا جلس مع الرشيد والأمين من بعده في خلوه ، ولما أمنه المأمون ظهر بالغناء ، وكان من أعلم الناس بالنغم والوتر والإيقاعات وأطبعهم بالغناء وأحسنهم صوتا ، وهو من المعدودين في طيب الصوت خاصة ، وأصبح الناس ينقسمون في الغناء طائفتين ، فمن كان منهم على مذهب إسحاق وأصحابه يفضل الغناء القديم ويعظم الإقدام عليه « 2 » ومن اعتز بمذهب إبراهيم بن المهدى مثل مخارق إنما يغنى الغناء الجديد « 3 » . وكان أديبا شاعرا راوية للشعر وأيام العرب فصيحا ، فكان يغنى طربا لا تكسبا ويغنى لنفسه لا للناس . وقد شغف به الناس في بغداد حتى قال بعضهم : لم ير في جاهلية ولا إسلام أحسن غناءا من إبراهيم بن المهدى « 4 » وكان يحتفظ بدفاتر الغناء « 5 » وتجلت مقدرة إبراهيم في مجالس الخلفاء ، ففي مجلس المأمون والمعتصم يغنى المغنون ، ويغنى هو ، فإذا ابتدأ لم يبق من الغلمان وخدم القصر وأصحاب الصناعات والمهن الصغار والكبار أحد إلا ترك ما في يده ، وقرب من أقرب موضع يمكنه أن يسمعه فلا يزال مصغيا إليه لاهيا عما كان فيه ما دام يغنى حتى إذا أمسك وتغنى غيره رجعوا إلى التشاغل بما كانوا فيه « 6 » . وكان صالح بن الرشيد يحتفظ بدفاتر للغناء ، وبطرحها على جواريه وغلمانه
--> ( 1 ) الطبري : تاريخ الأمم والملوك حوادث سنة 192 ه . ( 2 ) الأصفهاني : الأغانى ج 10 ص 111 . ( 3 ) الأصفهاني : الأغانى ج 6 ص 175 . ( 4 ) المصدر السابق ج 11 ص 126 . ( 5 ) المصدر السابق ج 11 ص 140 . ( 6 ) المصدر السابق ج 11 ص 162 .